دكتور عبد العزيز الدوري

33

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

ينبغي . وإني أرى أن من درسوها اتجهوا اتجاها مغلوطا . فهم حاولوا دراستها من بدئها متقدمين مع العصور ، فضاعوا وضعنا في المحاولة . وإني لأراها كالبصلة تتألف من طبقات من الأوراق ، ولا يمكن فهمها بالنقب على الفسيلة الداخلية بمخصف التاريخ ، بل أن نبدأ بالقشر الأخير ونرفع قشرا قشرا حتى ننفذ إلى الداخل ، ويكون ذلك بمحاولة مقابلتها بكتب الأدب والقصص التي كتبت في مختلف العصور ، مبتدئين بالحديث ، راجعين تدريجيا إلى القديم ، وبذلك فقط نستطيع معرفة تطور ألف ليلة وليلة وتطور العقلية الشعبية . وعلينا ألا نتقيد - عند البحث - برأي أو نسلم باستنتاج إلا إذا استطعنا اختبار صحته من مصادرنا ، فالشك في كل رأي وفي كل خبر ضرورة للبدء الصحيح . إن ميلنا إلى قبول الروايات المتواترة في البحث ، أو تسليمنا بخبر إن تكرر وروده في عدة مصادر قد لا يفيد أحيانا ، لأن هذه المصادر المتعددة قد تكون مستقاة من مصدر واحد ، متى عرفنا صاحبه وجدناه مدلسا أو ضعيفا . كما أننا قد نجد في الإجماع ما يبعث على الريبة أحيانا . فمثلا تتواتر الروايات بأن الدعوة العباسية بدأت سنة 100 ه ، ولكنها تخبرنا أن إمامة محمد بن علي العباسي ، المنظم الأول لها ، بدأت سنة 98 ه ، على أثر وصية أبي هاشم زعيم فرقة الغلاة الهاشمية التي اعتمدت عليها الدعوة العباسية أول الأمر . فيخامرنا الشك - ماذا حصل في السنتين الواقعتين بين وفاة أبي هاشم وسنة 100 ه ؟ فيدفعنا الشك إلى مناقشة تفاصيل الروايات حتى نتوصل إلى رفض هذا التواتر بدلائل أخرى غير مباشرة أو غير ملحوظة لأول وهلة . وقد يجد الباحث فائدة تاريخية مهمة في أخبار يعرف أنها مزيفة أو يتوصل إلى زيفها نتيجة التدقيق . وللتدليل أذكر الوصية المشهورة التي قيل إن إبراهيم الإمام أوصى بها أبا مسلم حين أرسله إلى خراسان . فالوصية ينقض بعضها بعضا في المعنى ، فهي تطلب من أبي مسلم أن يعتمد على اليمن ، وأن يحاول استمالة ربيعة في خراسان ، وأن يعد مضرا عدوه الخطر ، ومع ذلك تريد منه ألا يدع في خراسان عربيا . وهي ترد في روايات ضعيفة ، وبأشكال مختلفة . ولكنك إن أمعنت النظر في تصرفات أبي مسلم عند ذهابه إلى خراسان وتصرفاته بعد دخوله مرو ، ثم انتصاره على نصر بن سيار ، فهمت الوصية وعرفت أنها وضعت لتلخص موقف أبي مسلم من العرب بعد انتصاره على الأمويين . فنحن نفهم تاريخيا أن أبا مسلم حاول عند مجيئه التكتم وإخفاء نياته ، فحالف اليمن وحاول التفاهم مع ربيعة ( وكلتاهما ساخطة على سياسة مروان القيسية وعلى ممثله نصر بن سيار الذي اعتمد على المضرية وحدهم ) ، فلما نجح في ذلك وتغلّب على قوة مضر عاد ينكل بالعرب من مختلف